استمرار عدم تسوية نزاع الصحراء الغربية: الحق في تقرير المصير في مقابل السياسة الواقعية

This post is also available in: Español (الأسبانية) Português (البرتغالية ، البرتغال) English (الإنجليزية)

الدكتور سيدي محمد عمار1

ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة

 

تحتفل الأمم المتحدة بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشائها في 26 يونيو وهو التاريخ الذي وقع فيه ممثلو 50 دولة ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ إنشائها، فقد أظهر سجل الأمم المتحدة حصيلة غير متوازنة نوعا ما فيما يتعلق بتحقيقها للأغراض التي أنشئت من أجلها. وبوجه عام فقد صمدت الأمم المتحدة كمنظمة دولية أمام اختبار الزمن على الرغم من التحديات العديدة الناشئة عن الاختلالات الهيكلية الكامنة فيها والهجمات المستمرة على النظام المتعدد الأطراف الذي تمثله. ويشكل إنهاء الاستعمار إحدى المجالات التي تعد من بين إنجازات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن القوى الاستعمارية في ذلك الوقت عارضت بشدة أي إشارة في ميثاق الأمم المتحدة إلى تقرير المصير أو الاستقلال للشعوب والبلدان المستعمَرة (الأقاليم غير المحكومة ذاتياً وفقاً لمصطلحات الأمم المتحدة)، فقد ثَبُت أن عملية تحرير الشعوب المستعمَرة لا يمكن مقاومتها ولا رجعة فيها. وقد كان تبني قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 (د-15) بشأن “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة” في 14 ديسمبر 1960 معلماً تاريخياً ساهم بشكل كبير في تسريع عملية إنهاء الاستعمار مما أدى إلى زيادة عضوية الأمم المتحدة بعد حصول المزيد من المستعمرات على الاستقلال.

 

واليوم تتمتع شعوب العديد من المستعمرات السابقة بحريتها واستقلالها، ولكن الاستعمار للأسف لم ينتهِ بعد. وفي الوقت الحاضر هناك 17 إقليماً غير محكوم ذاتياً حيث ما تزال شعوب تلك الأقاليم لم تمارس بعد حقها في تقرير المصير والاستقلال، بما في ذلك الصحراء الغربية، آخر مستعمرة في أفريقيا على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المحكومة ذاتياً منذ عام 1963. بيد أن عملية إنهاء الاستعمار من الصحراء الغربية قد أُحبطت عندما غزا المغرب الإقليم عسكرياً في 31 أكتوبر 1975 في انتهاك لقرارات الأمم المتحدة وللرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية المؤرخ 16 أكتوبر 1975 الذي أكد أنه لم يكن هناك قط أي رابط للسيادة الإقليمية بين المغرب والصحراء الغربية.

 

إن الاحتلال العسكري المغربي للصحراء الغربية وجه ضربة قاضية لمبدأين أساسيين للنظام الدولي القائم وهما حق الشعوب في تقرير المصير وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. إلا أن مجلس الأمن الدولي، الذي يتحمل المسؤولية الرئيسية، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، عن صون السلم والأمن الدوليين، لم يتخذ أي إجراء حاسم ضد المغرب لأسباب تتعلق أساساً بالسياسة الواقعية. ومن الواضح أن هذا ليس هو المكان المناسب للقيام بمعالجة نقدية للسياسة الواقعية و”لقبولها المتعصب” للقوة باعتبارها المحدد الأساسي للسياسة الدولية، من بين أمور أخرى. بيد أنه لا يمكن إنكار حقيقة أن نهجها المتشدد القائم على القوة في مجال صنع السياسات قد سبب (ولا يزال يسبب) الكثير من عدم الاستقرار وانعدام الأمن في العديد من المناطق في جميع أنحاء العالم.

 

وحتى بعد موافقته على خطة التسوية الأممية الأفريقية بشأن الصحراء الغربية، التي قبلها رسمياً الطرفان، جبهة البوليساريو والمغرب، في أغسطس 1988، فإن مجلس الأمن في كثير من الأحيان لم يمارس سلطته لضمان تنفيذ الخطة. ونتيجة لذلك، وبعد 29 عاماً منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، فإن استفتاء تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، الذي كان من المقرر إجراؤه في عام 1992، لم يتم بعد وذلك لجملة من الأسباب. أولاً، سعى المغرب إلى تحديد نتيجة الاستفتاء مقدماً من خلال نقل الآلاف من داخل المغرب إلى الصحراء الغربية المحتلة والإصرار على إدراجهم في قوائم المصوتين. ثانياً، السلبية والتردد اللذين واجه بهما مجلس الأمن الموقف المغربي المتعنت، خاصة عندما أعرب المغرب عن عدم استعداده للمضي قدما في خطة التسوية في عام 2002. ثالثاً، محاولات بعض الجهات “للاستجابة” للموقف المغربي بطريقة ما من خلال البحث عما يسمى “حلول سياسية تقوم على التوافق” وكأن خطة التسوية الأممية الأفريقية لم تكن هي الحل السياسي المقبول من الطرفين والقائم على التوافق بامتياز. إن تراجع المغرب عن التزاماته بموجب خطة التسوية الأممية الأفريقية خوفاً من التعبير الحر والديمقراطي للشعب الصحراوي (وهي حقيقة تشهد على الطبيعة غير الديمقراطية للنظام الحاكم في المغرب) لا يمكن أن يكون حجة لإبطال خطة السلام المقبولة من الطرفين أو الاستفتاء كعملية ديمقراطية لحل النزاعات.

 

إن النهج السلبي والمتناقض الذي أدار به مجلس الأمن، تحت تأثير بعض أعضائه، عملية الأمم المتحدة للسلام في الصحراء الغربية على مدى العقود الماضية لم يفضِ إلا إلى تفاقم حالة الصراع وعرقلة السعي إلى إيجاد حل سلمي ودائم. وفي هذا السياق، فإن السبب الجذري لاستمرار عدم تسوية نزاع الصحراء الغربية، في نظري، لا يزال يكمن في التوتر القائم بين بعض المقاربات القائمة على مبدأ السياسة الواقعية من ناحية، وحق الشعوب المستعمَرة في تقرير المصير والاستقلال من ناحية أخرى. وحتى المحاولات الأخيرة للتوفيق بين هذين الموقفين المتضاربين لم تستطع مقاومة تأثير السياسة الواقعية مما أدى إلى مقاربات متناقضة وغامضة. وخير مثال على ذلك هو النداءات التي وجهها مجلس الأمن مؤخراً إلى الطرفين، جبهة البوليساريو والمغرب، للتوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي ودائم على أساس من التوافق” من جهة، وللدخول في “مفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين يكفل لشعب الصحراء الغربية تقرير مصيره”، من جهة أخرى. إن هذا النوع من “الغموض الهدام” الذي يتجلى في قرارات مجلس الأمن الأخيرة لم يخلق سوى المزيد من الارتباك حتى بالنسبة لأعضاء المجلس كما أدى إلى منح المغرب مجالاً أكبر للمناورة للتمادي في سياسة المماطلة والعرقلة.

 

ومما لا شك فيه أن المفاوضات المباشرة بين الطرفين ضرورية للتوصل إلى حل سلمي ومستدام للنزاع. والواقع أن خطة التسوية الأممية الأفريقية جاءت نتيجة لسلسلة من المفاوضات بين الطرفين والأمم المتحدة. ولكن، وكما أشرت في عدة مناسبات، فإن دعوة الطرفين إلى الدخول في مفاوضات للتوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي” و”مقبول للطرفين” و”يكفل لشعب الصحراء الغربية تقرير مصيره” يتنافى مع المبادئ والقواعد التي تحكم حق الشعوب المستعمَرة في تقرير المصير. وتؤكد جميع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأحكامها القانونية، بما في ذلك الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء الغربية الصادر في عام 1975، أن جوهر حق الشعوب المستعمَرة في تقرير المصير يكمن في عملية ديمقراطية يتم من خلالها التعبير عن إرادة الشعب المعني بطريقة صحيحة وحرة وحقيقية. وهذا يعني أن إرادة شعب الصحراء الغربية، صاحب الحق الوحيد في تقرير المصير، يجب أن يتم التعبير عنها دون أي تدخل أجنبي من أي نوع. ويجب أن يكون التعبير أيضاً حقيقياً ومباشراً من خلال العمليات الديمقراطية المُتفق عليها دولياً التي يمثل الاستفتاء جزء منها كعملية مستخدمة على نطاق واسع كما أظهرت ذلك، على سبيل المثال، حالة تيمور الشرقية التي لها أوجه شبه كثيرة مع قضية الصحراء الغربية. ولا يزال النهج المتناقض بخصوص تقرير المصير هو السبب الكامن وراء المأزق الذي تواجهه حالياً عملية السلام التابعة للأمم المتحدة في الصحراء الغربية. وما يُفاقم هذا الوضع هو رفض المغرب القاطع للدخول في أي مفاوضات مباشرة تحت إشراف الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سلمي، على الرغم من دعايته وتوظيفه لمناورات العلاقات العامة. وكما أشرت في عدة مناسبات، فإن الهدف الاستراتيجي للمغرب هو الحفاظ على الوضع القائم وبالتالي فإن خياره المفضل هو استمرار عدم تسوية النزاع.

 

ومع ذلك، فإذا كان البعض يقبل هذا الوضع تحت تأثير السياسة الواقعية أو لاعتبارات أخرى، فإن جبهة البوليساريو وشعب الصحراء الغربية لن يقبلا ذلك أبداً. فالغزو العسكري المغربي والاحتلال غير المشروع للصحراء الغربية في عام 1975، وبغض النظر عن دوافعه السياسية والاقتصادية، انطوى أيضاً على إنكار وجود الشعب الصحراوي وحقه في تقرير المصير والاستقلال. وقد كان التعبير العملي عن ذلك هو قصف المدنيين الصحراويين بالنابالم والفوسفور الأبيض وسياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها القوات المغربية في الصحراء الغربية. كما يتجلى ذلك في مختلف أشكال العنف التي تُمارس اليوم ضد المدنيين في الأراضي المحتلة وفي التدمير المتعمد للتراث الثقافي الصحراوي. ولذلك فإن النضال الذي يخوضه الشعب الصحراوي بقيادة جبهة البوليساريو هو كفاح من أجل الدفاع عن هويته الوطنية وحقه المشروع في الوجود كشعـب حر وسيد في وطنه.

 

وينبغي للمجتمع الدولي أن يعرف، من واقع التجربة الماضية والحالية، أن الأنظمة الاستبدادية، ورغم ما تبديه من استقرار، فهي أنظمة غير مستقرة بطبيعتها لا سيما في عصر الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والشعوب. وعلى أولئك الذين يهتمون حقاً بالاستقرار والأمن في شمال أفريقيا أن يعيدوا النظر في سياساتهم تجاه المنطقة عموماً وقضية الصحراء الغربية بشكل خاص. ولهذا ينبغي أن يكفوا عن النظر إلى القضية ومعالجتها من وجهة نظر السياسة الواقعية وحدها أو من زاوية سياسات توازن القوى التي استغلتها الأنظمة الاستبدادية لقمع العديد من الشعوب واشعال فتيل صراعات عنيفة وتهديد الأمن في أجزاء كثيرة من العالم. لقد حان الوقت لكي تدرك بعض الجهات أن دعم النظام الاستبدادي في المغرب ليس ضماناً للسلم والاستقرار الإقليميين في شمال أفريقيا. وينبغي لمجلس الأمن على وجه الخصوص أن يتحمل مسؤوليته وألا ينتظر حتى يتدهور الوضع في الصحراء الغربية ويصبح مصدراً خطيراً لعدم الاستقرار في المنطقة وخارجها.

 

وفي الختام، فإن الطبيعة القانونية والسياسية لقضية الصحراء الغربية باعتبارها قضية تتعلق بإنهاء الاستعمار واضحة على نحو لا لبس فيه. ولذلك، فإن السؤال المطروح على الأمم المتحدة في الذكرى الخامسة والسبعين لإنشائها هو على النحو التالي: هل نسمح  للسياسة الواقعية وقاعدة “القوة تصنع الحق” بأن تسود في حالة الصحراء الغربية وبذلك نسمح للاحتلال المغربي غير المشروع لأجزاء من الإقليم بأن يستمر في ظل الإفلات من العقاب، أم أننا ندافع عن المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها النظام الدولي القائم، وبذلك ندافع دون تحفظ عن ممارسة شعب الصحراء الغربية لحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال بحرية وديمقراطية وفقاً لقواعد الأمم المتحدة المتعلقة  بإنهاء الاستعمار؟ إن مما لا شك فيه أن قاعدة “القوة تصنع الحق” لا يمكن أن تكون خياراً مقبولاً، وإلا فإن العديد من الشعوب والبلدان، بما في ذلك الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كانت ستبقى تحت نير الاستعمار والاحتلال الأجنبي. ولذلك، فإن الخيار العملي الوحيد هو السماح لشعب الصحراء الغربية بعملية ديمقراطية يمارس من خلالها بحرية وديمقراطية حقه في تقرير المصير والاستقلال. إن المبادئ الديمقراطية الأساسية وقواعد القانون الدولي تدعم جميعها هذا التطلع المشروع وقد حان الوقت الآن لكي يقوم المجتمع الدولي أيضاً بدعم ذلك ليس فقط بالأقوال وإنما أيضا بالأفعال.


[1] الدكتور سيدي محمد عمار (https://uji.academia.edu/SidiOmar) حائز على شهادة الدكتوراه الأوروبية في دراسات السلام والنزاعات من جامعة جاومي الأول في كاستيون بإسبانيا. وقد درس، كأستاذ زائر ومحاضر، في العديد من دورات الدراسات العليا حول مواضيع ذات الصلة بحل النزاعات والوساطة والمفاوضات في عدة جامعات في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.